You are currently viewing المصير المشترك وجمعية ميدان

المصير المشترك وجمعية ميدان

من الأرشيف المستعاد: تعكس التواريخ والأعمار والأدوار والإعلانات وقت النشر الأصلي، ولا تُعد تحديثًا للوضع الحالي.

يوضح لورينتسو ديكليك، المتخصص في العالم الإسلامي المعاصر والمترجم عن العربية وكاتب المقالات، والمنضم حديثًا إلى ميدان، في هذا المنشور أن الفضاء المتوسطي يضم «جماعة يجمعها المعنى، متعددة اللغات والثقافات، تتعايش مع الاختلاف بصورة طبيعية، ولا تجعل الهوية مشكلة رغم كثرة مشكلاتها. جماعة أدركت مدى البعد السياسي للمعرفة».

في مقدمة كتاب «جوليو ريجيني: الحقائق المتجاهلة»، الذي كتبته في بضعة أسابيع لأقدم للمهتمين أساسًا للتفكير في قضية الباحث الشاب الذي عُذّب وقُتل في القاهرة، دوّنت:

«كنت أود أن أكتب عن الإيطاليين في مصر والإيطاليين من أهل مصر؛ أولئك الذين صنعوا، تاريخيًا وخصوصًا اليوم، الثقافة والنقد لا الصفقات».

جاءت هذه الملاحظة من حوار أجريته في تلك الأسابيع مع فرانشيسكا بيانكاني. كنا نفكر في عمق الامتزاج المتوسطي وامتداده الزمني، وفي الجاليات الإيطالية المنتشرة منذ قرون على شواطئ هذا البحر، ودورها عبر العقود، والأهم، ما تغير مع الأجيال الجديدة التي كان جوليو ريجيني أحد أبنائها. وأتذكر إرّي دي لوكا، في فعالية منظمة العفو الدولية بجامعة «لا سابينتسا» في الذكرى الأولى لاختفاء الباحث، يقرأ نصًا لريجيني عن وحدة المتوسط.

كانت جريمة القتل البشعة التي ارتكبتها الدولة جرس إنذار مأساويًا لهذه الجماعة التي اتسعت من الباحثين والناشطين والمثقفين والفنانين، والذين بدأوا في هذه السنوات يرون فعلًا عالمًا بلا حدود: عالمًا يعنينا فيه جميعًا ما يحدث في مصر؛ وإذا لم تكن لنا عيون ناقدة وذكية في هذا البلد وفي غيره، خاطرنا بالاستسلام للتيارات القومية المنغلقة، والهويات الحمقاء المنزوعة من التاريخ، ومنطق «نحن ضدهم».

هذه الجماعة، التي لا أنتمي إليها بحكم السن لكنني أنظر إليها بتعاطف متزايد، مورد أساسي، أو على الأقل سد في وجه تقدم قوى اقتصادية وسياسية تفضلنا معصوبي الأعين. وهي تشهد على تفكير آخر، ما زال حيًا ويريد أن يعمل في فضاء بلا قيود، وأن يتأمل وحدات أو اختلالات أوسع، مثل المتوسط وكل ما يدور حوله تاريخيًا وثقافيًا وسياسيًا.

إنها جماعة يجمعها المعنى، متعددة اللغات والثقافات، تعيش الاختلاف بصورة طبيعية، ولا تنشغل بمشكلات الهوية رغم كثرة مشكلاتها. جماعة أدركت مدى البعد السياسي للمعرفة.


استشهدت في تلك المقدمة بمقال لعمرو علي بعنوان «جوليو وإيطاليو مصر»، ترجمته «إنترناسيونالي» بعنوان «جوليو ريجيني والإيطاليون في مصر الذين ينددون بالنظام». وتناول الحضور الإيطالي في مصر، وخصوصًا خطر دفن عمل عشرات وعشرات الباحثين المتوسطيين في السنوات المقبلة. وكتب علي:

«قد يكون ريجيني أول غير مصري ينضم إلى شهداء الثورة المصرية. كانت تلك أول محاولة لتحدي المعادلة بين المواطنة والوطنية. ومن المهم أن يتمكن فرد من جماعة عابرة للحدود من التعبير عن ولاء مساوٍ، إن لم يكن أكبر، للصالح العام المصري».

وعندما سأل علي لوتشيا سوربيرا، وهي «مؤرخة ونسوية إيطالية من بيزا أمضت سنوات عديدة تبحث في مصر»، شددت على أن:

«التمرد كان ضرورة في أوروبا سياسات التقشف، وكان فعل التمرد يحدث في مصر. كانت مصر تلهمنا لنتحدى واقعنا».

كانت الموجة عابرة للحدود. وليس مصادفة أن تأتي حركة «احتلوا وول ستريت» و«الغاضبين»، وكذلك اضطرابات لندن ثم ميدان تقسيم في إسطنبول، بعد تونس وميدان التحرير. لكن عام 2011 مضى، وقُمعت الانتفاضات، وصار الاستبداد، القديم والجديد، متسلطًا. سوريا مدمرة، وشعبها منهك، وديكتاتورها الدموي على وشك إعادة تأهيله. وفي هذه الأيام نحيي الذكرى الثالثة لاغتيال جوليو ريجيني.

هل انتهى كل شيء؟ لا أظن. تعرفت في هذه السنوات إلى كثيرين في العشرينيات والثلاثينيات من أعمارهم؛ ما زالوا موجودين، ولم يتغير موقفهم أو نظرتهم إلى العالم، لأنهم وُلدوا هكذا. وقبل أيام وصلتني أنباء تأسيس ميدان، «جمعية لمواطنات ومواطني المتوسط، من ناشطين ومثقفين وفنانين ورواد أعمال وباحثين وعاملين آخرين، ملتزمين ببناء مواطنة متوسطية ومصير مشترك». وفي ميثاقها، الذي ما زال قيد الإعداد، نقرأ:

«خلال العقد الأخير، كانت دول المتوسط وأقاليمه في قلب نضالات اجتماعية متعددة. ومع ذلك، كثيرًا ما خُذلت مطالب الأعداد الكبيرة التي تظاهرت ضد أنظمة المنطقة القديمة، وضد النظم الاجتماعية والاقتصادية الجائرة وإجراءات التقشف. وأدى غياب الفرص والآفاق على الضفتين إلى توسيع الهوة بين المؤسسات والأجيال الشابة، التي فقدت الثقة بالنظام السياسي وتشعر بأنها حُرمت مستقبلها.

فاقمت الأزمة أيضًا وصم المهاجرين، الذين زادت أعدادهم بفعل الحربين الأهليتين في ليبيا وسوريا وتدهور الأوضاع في كثير من الدول الأفريقية. وفي المقابل، تعيد مجموعات اجتماعية وسياسية عديدة وأفراد تنظيم أنفسهم ضمن كيانات هوياتية تستلهم القومية والاستبداد والتجانس الديني والثقافي، أو تبحث عن الخلاص الفردي والاجتماعي بالكفاح المسلح. ويهدد هذا الوضع التعاون، ومفهوم المواطنة نفسه، وفكرة الانتماء الثقافي والجغرافي إلى المنطقة.

بصفتنا نساء ورجال المتوسط، المتمسكين بحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، والحريصين على تراث المنطقة الثقافي والبيئي، والملتزمين بمستقبل متوسطي مشترك:

أ. استخلصنا دروسًا إيجابية وسلبية من الانتفاضات والاحتجاجات الاجتماعية التي بدأت ضد سياسات التقشف وتسليع المنافع العامة وتراجع الحقوق الاجتماعية في بلدان أوروبية عديدة، ثم امتدت إلى معظم دول الضفة الجنوبية للمتوسط وانتشرت فجأة في أنحاء المنطقة؛ ونظرنا بتضامن إلى المجموعات السياسية الجديدة التي استندت برامجها المطلبية إلى حركات مناهضة التقشف عام 2008 ومطالب الحركات الثورية عام 2011؛

ب. نستلهم ميثاق فينتوتيني لعام 1941، الذي كتبه ناشطون ومثقفون مناهضون للفاشية سعوا إلى أوروبا حرة وموحدة؛ وقد ألهم ذلك الميثاق الشعوب الأوروبية المقاومة للفاشية والنازية لتصور مشروع للتكامل الأوروبي؛

ج. نتابع باهتمام ميثاق بورتو أليغري، النص التأسيسي للمنتدى الاجتماعي العالمي، الذي حفز نشوء حركات اجتماعية ومجتمعات مدنية قوية في المنطقة، ويشكل منصة الحركة المناهضة للعولمة التي تحركت ضد الاستغلال الاقتصادي والاستعمار».

لا يزال في إمكاننا فعل الكثير. اقرأوا هذا الميثاق، وشاركوا في صياغته النهائية، وانضموا إلى الجمعية. لقد فعلت ذلك للتو.

18 يناير 2019.


لورينتسو ديكليك (1967)، مؤرخ وباحث في الدراسات الإسلامية، درّس تاريخ الإسلام في المحيط الهندي بجامعة «لورينتالي» في نابولي (2002–2006). وشارك في ترجمة دراسات من العربية نشرتها دور فاندانغو ونيري بوتسا وسيليريو وموندادوري، وقدم وحرر كتاب «الإسلام والعلمانية» لعبده الفيلالي الأنصاري (كوبر–كاستلفيكي، 2003). وتعاون مع «إل مانيفستو» و«كونفرونتي» و«أفّينيمينتي» و«لوب» و«أوروبا»، ومع هيئة راي في برنامج «نحن التاريخ»، ومع «ليمس» و«ليمس أونلاين» و«ذا بوست إنترناسيونالي» و«ناتسيوني إنديانا». ويشرف على مدونة «كل شيء في ثلاثين ثانية»، وابتكر مجمّع المحتوى «إسلاميترو». ونشر سنة 2015 «الإسلام العاري: بقايا حضارة في السوق العالمية» (جوفانس). وآخر كتبه «جوليو ريجيني: الحقائق المتجاهلة» (2018).