من الأرشيف المستعاد: تعكس التواريخ والأعمار والأدوار والإعلانات وقت النشر الأصلي، ولا تُعد تحديثًا للوضع الحالي.
في هذا المقال، المنشور أصلًا في «لا فوتشي ديلّي لوتّي»، يروي إبراهيم حجي، أحد مؤسسي ميدان، والصحفي ماتيا فاروق مصير الطالب المصري باتريك زكي، الذي اعتُقل وعُذّب فور وصوله إلى مصر قادمًا من إيطاليا حيث يدرس. ويكتبان: «باتريك، شأنه شأن آخرين، ليس سوى ضحية جديدة لنظام مريض يعجز عن حل مشكلات البلاد المزمنة، فيعذّب ويسجن ويقتل باسم استقرار المنطقة، بموافقة ضمنية من إيطاليا والاتحاد الأوروبي».
باتريك جورج زكي ناشط مصري يبلغ من العمر 27 عامًا، يدرس دراسات المرأة والنوع الاجتماعي في جامعة بولونيا. وبحسب محاميه، اعتقلته قوات الأمن المصرية في مطار القاهرة في الرابعة فجر الجمعة 7 فبراير، بتهم نشر أخبار كاذبة، وتهديد الاستقرار الوطني، والتحريض على تظاهرات دون تصريح، ومحاولة قلب نظام الحكم، و«إساءة استخدام» شبكات التواصل للإضرار بصورة النظام، والدعاية لجماعات إرهابية واستخدام العنف. وهي اتهامات قد تصل عقوبتها في مصر إلى السجن المؤبد.
كان الشاب يستعد لقضاء إجازة في بلده، حيث يقيم والداه في المنصورة. وظل مكان باتريك مجهولًا 24 ساعة، ثم صدر قرار سريع بحبسه 15 يومًا. وخضع لاستجواب استمر 30 ساعة وهو معصوب العينين ومكبّل اليدين، تعرض خلالها لضرب متكرر وصدمات كهربائية، وفق ما رواه والداه لصحيفة «ريبوبليكا». وقالا إن محتجزيه أرادوا معرفة «صلاته بإيطاليا وبأسرة جوليو ريجيني، لكنه لا يعرف شيئًا عن كل هذا». وأكدت هدى نصر الله، من فريق الدفاع، أنه «تعرّض لصدمات كهربائية وللضرب، ولكن بطريقة لا تترك آثارًا ظاهرة على جسده». وشُبه ذلك بما تعرض له صديقه عمرو، المصري البالغ 29 عامًا والمقيم في برلين منذ مدة، والذي أخبر وكالة «أنسا» بأن قوات الأمن المصرية اختطفته واستجوبته 35 ساعة، مع تعصيب عينيه وتقييده وضربه وحرمانه النوم.
منذ السبت 8 فبراير، يُحتجز باتريك في غرفة حجز بقسم شرطة المنصورة ثانٍ، في مدينته الواقعة على بعد 120 كيلومترًا شمال القاهرة. وانطلقت فورًا حملة تضامن دولية للمطالبة بالإفراج عنه ورفض انتهاكات الدولة المصرية لحقوق الإنسان. ففي بولونيا نُظمت وقفة في ساحة نبتون لأربعة أيام متتالية، كما تتواصل المبادرات في غرناطة، المقر الرئيسي لبرنامج الماجستير الأوروبي «جيما» الذي يدرس فيه الشاب.
نظام مأزوم خلف واجهة القمع
الأساليب والاتهامات هي نفسها. وليس مصادفة أن يشدد النظام المصري قبضته على الناشطين وشبكات التواصل، خصوصًا بعد احتجاجات 20 سبتمبر 2019. فالمقاطع التي نشرها رجل الأعمال والممثل المصري المقيم في منفاه الاختياري محمد علي، وندد فيها بفساد الطبقة العسكرية الحاكمة وتجاوزاتها في العقود والتمويل، دفعت النظام إلى مراقبة شبكات الناشطين بمزيد من الدقة. وفي شرق أوسط يموج بالحراك السياسي والاجتماعي، كما تبين احتجاجات الشارع في لبنان والسودان والعراق والجزائر، وجزئيًا ليبيا، يحتفظ النظام المصري بواجهة استقرار داخلي تخدم توسيع أعمال رأس المال الغربي في البلاد.
وفي إحدى مقابلاته الأخيرة مع وكالة DIRE، قال باتريك زكي إن مصر بعيدة كل البعد عن الاستقرار: «مصر ليست بلدًا مستقرًا إطلاقًا، لا اجتماعيًا واقتصاديًا ولا على مستوى الحريات الأساسية. الناس لا يجدون عملًا، وتكلفة المعيشة تواصل الارتفاع، والحكومة تفعل كل ما في وسعها لتضييق مساحات المعارضة».
ورغم القوة الظاهرية للنظام في ضمان «النظام والأمن»، فإن القمع الشرس للمعارضة ليس إلا دليلًا على مدى الضعف السياسي لمنظومة السيسي الأمنية. وكما أظهرت احتجاجات سبتمبر الماضي، فإن النمو الاقتصادي الذي يُروّج له كثيرًا يُحمَّل، مرة أخرى، على كاهل العاملين والطبقة العاملة المصرية. وقد أوصلت سياسات التقشف، رغم التنازلات المحدودة بشأن الدعم، وإملاءات صندوق النقد الدولي، نحو 40% من المصريين إلى الجوع. وفي هذا السياق، يمارس نظام السيسي، الذي جاء بانقلاب، قمعه دون عائق وبـ«مباركة» الاتحاد الأوروبي وإيطاليا. وبحسب الأرقام، ارتفع التبادل التجاري الإيطالي مع النظام في الأسلحة والغاز والسياحة إلى 4.5 مليار عام 2019، مع زيادة صادرات النفط والغاز بنسبة 31% و200% على التوالي. وارتفعت صادرات السلاح من 7 ملايين في 2018 إلى 69 مليونًا في 2019، كما زادت السياحة نحو 40% خلال العام السابق. إنها دفعة للرأسمالية الإيطالية، وفي مقدمتها «إيني»، التي تعقد صفقات مربحة مع «شريكها الذي لا غنى عنه»، وتضفي عليه الشرعية داخليًا ودوليًا.
لذلك لا تثير الدهشة استجابة المؤسسات الإيطالية الخجولة لاعتقال الطالب، وإعلانها الاقتناع مجددًا بأن نظام السيسي يتصرف مع الاحترام الكامل للفرد. ففكرة متابعة محاكمته بواسطة مراقبين أوروبيين ليست، في الواقع، سوى مساعدة أخرى للديكتاتورية. وتكمن قوة النظام المصري هنا في أنه يعمل وفق قوانين البلاد. يبدو كل شيء طبيعيًا ومتوافقًا مع قانون الدولة، وإن لم يكن كذلك. والاتهامات الموجهة إلى الشاب، رغم سخافتها، توضح كيف تضفي الدولة شرعية فعلية على هذا السلوك.
وهذا يفسر رد وزارة الداخلية المصرية الغاضب على تويتر، الذي يؤكد عمليًا حق الحكومة المصرية في اعتقال من تشاء، كيفما ومتى تشاء:
وزارة الداخلية — @moiegy
«#وزارة_الداخلية: لا صحة لما تداولته بعض مواقع التواصل الاجتماعي المشبوهة بشأن ضبط إيطالي يُدعى “باتريك”، فإن المذكور مصري الجنسية واسمه كاملًا “باتريك جورج ميشيل زكي سليمان”، وتم القبض عليه تنفيذًا لقرار النيابة العامة بضبطه وإحضاره، وتم عرضه على النيابة التي قررت حبسه 15 يومًا على ذمة التحقيقات».
11:48 — 9 فبراير 2020
باتريك، شأنه شأن آخرين، ليس سوى ضحية جديدة لنظام مريض يعجز عن حل مشكلات البلاد المزمنة، فيعذّب ويسجن ويقتل باسم استقرار المنطقة، بموافقة إيطاليا والاتحاد الأوروبي.
ماتيا فاروق، إبراهيم حجي
