You are currently viewing من كامو إلى داود: إعادة التفكير في «الغريب» اليوم
Albert Camus (1913 - 1960) journaliste redacteur en chef du journal Combat de 1944 a 1947 militantisme lecture du journal En Avant ! journal de l'Armee du Salut au Deux Magots en 1945

من كامو إلى داود: إعادة التفكير في «الغريب» اليوم

من الأرشيف المستعاد: تعكس التواريخ والأعمار والأدوار والإعلانات وقت النشر الأصلي، ولا تُعد تحديثًا للوضع الحالي.

تعيش جوزي روسّي، التي انضمت حديثًا إلى ميدان، وتعمل في فلورنسا في مجال سياسات الشباب. وهي متخصصة في إعداد المشروعات الأوروبية، وتقدم استشارات للمفوضية الأوروبية والوكالات الوطنية الإيطالية لتقييم المشروعات. وناشطة في حقوق الإنسان، تخرجت عام 2019 في علم الاجتماع والبحث الاجتماعي برسالة عن ألبير كامو وراهنية فكره إزاء السياسات الأوروبية للاجئين وطالبي اللجوء. وتحيّي هذه المساهمة الثقافة الجزائرية في لحظة صعبة من مساءلة النظام السياسي، وتدعونا إلى إعادة التفكير في مفهوم «الغريب» انطلاقًا من الأدب الجزائري.


ما زال ألبير كامو يجسد صورة المثقف الملتزم، ونموذجًا مرجعيًا بنظرته اليقظة والواضحة والحادة إلى بؤس الوضع الإنساني في السنوات المأساوية للشمولية بأوروبا القرن العشرين. كان كاتبًا وصحفيًا ومسرحيًا وفيلسوفًا، ينتمي إلى جيل نشأ في الفقر، على مقربة من الحرب العالمية الثانية والحرب الأهلية الإسبانية والصراع الفرنسي الجزائري، حين كان آلاف البشر يخاطرون بحياتهم يوميًا.

قد نميل بسهولة إلى تقسيم عالم ذلك الزمن إلى ضحايا وجلادين. لكن نهجه النقدي أمام هذه الأحداث التاريخية الكبرى يدعونا إلى فهم تعقيد الواقع خارج التصنيفات الراسخة: فقد رفض كامو حجاب الأيديولوجيات دون أن يفقد الأمل والثقة في البشر. ولا تختزل رؤيته في العدمية التي ميزت بعض مفكري الوجودية في عصره، بل تقدم لنا منظورًا ما زال قادرًا على الإلهام. ففي رائعته «الغريب» (1942)، يفتح كامو أمامنا باب الآخر الكامن فينا، ويجعلنا نواجه الجانب المظلم في أعماق حميميتنا وعبثية المصير الإنساني: رجل يُقتل بسبب وهج يعمي البصر، وآخر يخضع لمحاكمة عبثية تنتهي بالحكم عليه بالموت.

وتكمن قيمة نهجه في إدراك الرابطة التي لا تنفصم بين وحدة الإنسان، أي العبث، وإمكان بناء تضامن جماعي رغمها، بل انطلاقًا منها. وتختصر ذلك عبارته الشهيرة «أنا أتمرد، إذن نحن موجودون»، مستحضرًا عبارة ديكارت «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، ليؤكد أن الإنسان يستطيع الخروج من ذاته ومن وحدته بالالتزام بمثال للمساواة والعدالة المشتركة. ويمكن لفكره أن يساعدنا أيضًا على تفسير معاني الأزمة المعاصرة؛ فالمقاربة الاقتصادية وحدها لا تكفي لشرح أزمة زمننا، بل نحتاج إلى نظرة فلسفية تتعمق حتى أكثر جوانب الوعي الإنساني إثارة للجدل.

لنتأمل لحظةً التحديات الأخلاقية الأقرب إلينا كمواطنين أوروبيين: التفاوت، والهجرة القسرية، والموت في المتوسط. أمام مجتمع يزداد تعددًا عرقيًا، ونُدعى فيه إلى العيش جنبًا إلى جنب مع الاختلاف، كيف نبني مجتمعًا منفتحًا يستوعب وجهة نظر الآخر؟ ومتى يصبح الآخر غريبًا، والغريب عدوًا؟ وكيف تستجيب مجتمعاتنا ومؤسساتنا وقوانيننا للمطالب الآتية من ثقافات أخرى؟

هنا يسعفنا الأدب الكبير. ومن المفيد تذكر أن بطل الرواية، ميرسو، يقتل عربيًا على شاطئ الجزائر بعدما يعميه ضوء الشمس. وتظل الضحية «عربيًا» بلا اسم حتى نهاية الكتاب، وتغادر المشهد فورًا كممثل ثانوي، لتفسح المجال لوعي القاتل بعبثية الوضع الإنساني.

وهنا، في فضاء الخيال الأدبي، تلتقي الحكاية المتخيلة بواقع أيامنا: عند الباب الذي تركته رواية كامو مفتوحًا، تظهر قراءة جديدة هي قراءة ما سُمي بالربيع العربي، والصحوة الديمقراطية للمجتمع المدني الجزائري. وتجد صرخة الضحية الصامتة من يصغي إليها في تحقيق مضاد يكتبه الصحفي الجزائري كمال داود، الذي يعيد بعد سبعين عامًا كتابة الرواية من المنظور المقابل، ليكشف من كانت تلك الضحية المجهولة حقًا («ميرسو، تحقيق مضاد»، 2014). إنه تمرد رمزي باسم ضحايا العنف الكثيرين الذين ضاعت أسماؤهم، يتحول عبر السرد إلى شكل من أشكال استعادة الاعتبار الشعبي وإعادة بناء الذاكرة.

وتوحي دعوة الكاتبين اليوم إلى «تحرير نظرتنا من الاستعمار» بإمكان البحث عن معانٍ جديدة وتعددية للكلمات. من هو الآخر؟ ومن هو الغريب اليوم؟ من الناحية النفسية، الآخر مرآتنا، حاضر دائمًا ويعيد إلينا صورة هويتنا ذاتها، التي تتشكل بالحوار مع المختلف عنا.

يضعنا حضور الغريب أمام ازدواجية أساسية: فهو هبة وتهديد في آن واحد، ويواجهنا بالمجهول والملتبس؛ يجذبنا من جهة ويخيفنا من جهة أخرى، ويزعزع توازننا ويدفعنا إلى تركيب جديد. وفي مدننا المعولمة، لا شك أن الغريب اليوم هو المهاجر، ذلك الحضور غير المريح الذي يبدو كأنه يسائل يقيننا وهويتنا.

ويقدم عالم الاجتماع الجزائري عبد المالك صيّاد مفهومًا أساسيًا آخر، إذ يرى الهجرة واقعة اجتماعية كلية تمس المجتمع في جميع مجالاته الثقافية والسياسية والاقتصادية؛ لذلك ينبغي لأي تدخل أن يراعي هذه الأبعاد كلها. وهناك أخيرًا البعد الأشد حميمية في وضع المهاجر: «الغياب المزدوج»، أي حالة التعليق التي يترك فيها الإنسان بلده الأصلي خلفه، ويفقد دوره، ويغامر نحو مجهول قد يكون غنيًا بالإمكانات، لكنه غير محدد إطلاقًا، وغالبًا شديد الخطورة حد تهديد الحياة، ولا سيما في الهجرة القسرية.

إن قراءة «الغريب» إلى جانب التحقيق المضاد لكمال داود تكشف قضايا أخرى بالغة الأهمية: فقد تكلم داود، ومنح العربي المجهول وجهًا، وحوّل القصة إلى ملحمة، ويبدو، في ضوء ما يجري أخيرًا في الجزائر، أنه يجسد سردية جديدة لشعبه. ومن خلال إعادة الكتابة، يعلن رغبته في رد كرامة الاسم والتاريخ الشخصي إلى شخصيات بقيت في ظل «الغريب». وداود صحفي من أبرز من غطوا الربيع العربي، وهو في الوقت نفسه شخصية مثيرة للجدل لأنه يرفض أن يبقى رهينة التاريخ الاستعماري؛ فهو يخاطب في هذا الكتاب أبناء بلده الذين يبدون، بحسب تعبيره، نائمين. ومن المهم التأكيد أنها ليست رواية مرآة، فلا تعكس الحبكة الأصلية خطوة بخطوة، بل تعيد تأويلها، كما يعيد ارتجال الجاز تفسير لحن معروف.

ويدعونا الكاتب إلى تجاوز دور الضحية واستعادة استقلال التفكير والفاعلية المدنية. وفي النهاية لا تعارض بين شخصيتي الكتابين؛ إذ يتبين أن بطل الرواية الجديدة شديد الشبه بميرسو، فكلاهما يعيش الاقتلاع نفسه من الحياة والمجتمع. وتتركنا الروايتان أمام نهاية مفتوحة، معلّقين، وتدعواننا بذلك إلى إيجاد معنى خاص بنا لخاتمة الحكاية.

يساعدنا الكاتبان على التأمل في اقتلاع الشخصيتين واغترابهما: فهما لا تفهمان الحياة، كما لا يفهمهما من حولهما. ويعيشان، بمعنى ما، اقتلاعًا مفرطًا شديد الشبه بالغياب المزدوج الذي يعيشه المهاجرون اليوم. ويتجه الكاتبان إلى الأدب إيمانًا بقدرة الكلمة على الإنقاذ بدل حمل السلاح؛ ويجمعهما رفض مطلق للعنف. وهما يدعواننا لا إلى طلب العزاء في الذاكرة بقدر ما يدعواننا إلى استخدامها دافعًا لفهم الحاضر ومساءلته.

علينا إعادة اكتشاف المجتمع المحلي بوصفه مكانًا لتجديد الروابط الاجتماعية والمشاركة الفاعلة لجميع مكوناته، بمن فيهم المقيمون الأجانب. وينبغي للمؤسسات، مدارس ومتاحف ومستشفيات وسجونًا، أن تنفتح أكثر على محيطها للعمل في هذا الاتجاه وتيسير الحوار والتعايش الاجتماعي. وهكذا يمكن للغة الفن، كلغة الأدب، أن تكون ثمينة للعمل المجتمعي، وأن تمنح صوتًا للتنوع ولوجهات النظر المختلفة.

جوزي روسّي

المراجع

Albert Camus, Lo straniero (1942), Edizioni Bompiani, 2015.

Kamel Daoud, Meursault, contre-enquête, Actes Sud, 2014.

Abdelmalek Sayad, La double absence. Des illusions de l’émigré aux souffrances de l’immigré, Seuil, 1999.